عيسى كاظم: ‘دي بي ورلد’ تدير 80 ميناءً و10% من تجارة الحاويات العالمية
أكد عيسى كاظم، رئيس مجلس إدارة مجموعة موانئ دبي العالمية (دي بي ورلد)، أن إمارة دبي انتهجت على الدوام أسلوباً استباقياً في استشراف احتياجات التجارة المستقبلية، متجنبةً تجاوز الطلب للطاقة الاستيعابية، مما أسهم في ترسيخ نموذج تنموي مستدام يعكس قناعة القيادة بأن المستقبل يُبنى ولا يُنتظر.
وأوضح كاظم أن المجموعة توسعت منذ تأسيسها لتشمل عملياتها أكثر من ثمانين ميناءً موزعة على ست قارات، ويعمل بها فريق يتجاوز عدده مئة وخمسة وعشرين ألف موظف، وتدير حالياً نحو عشرة بالمئة من إجمالي تجارة الحاويات في العالم. وأشار إلى أن هذا التطور لم يقتصر على إدارة الموانئ فحسب، بل امتد ليشمل منظومة متكاملة من الخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية والبنية التحتية التجارية، مما جعل دبي في صميم حركة التدفق التجاري العالمي.
رؤية استشرافية لمستقبل التجارة
جاءت تصريحات كاظم خلال كلمة ألقاها في جلسة حملت عنوان (موانئ دبي العالمية.. رسم خريطة التجارة القادمة)، ضمن فعاليات ملتقى محمد بن راشد للقادة، حيث استعرض المحطات الرئيسية في مسيرة تطور موانئ دبي وإنجازاتها منذ التأسيس، إلى جانب رؤيتها المستقبلية.
وقال إن الرؤية الاستباقية للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نقلت موانئ دبي إلى آفاق عالمية غير مسبوقة، محولة إياها من ميناء يخدم المنطقة إلى شبكة عالمية متكاملة تقود التجارة الدولية.
منظومة لوجستية متكاملة
وفيما يتعلق بالتوجه المستقبلي للمجموعة، أكد كاظم أن (دي بي ورلد) دخلت مرحلة جديدة من التحول الاستراتيجي تركز على تعزيز الكفاءة التشغيلية لشبكتها العالمية الممتدة. وأضاف: (بعد نجاحنا في بناء شبكة عالمية واسعة، أصبحت أولويتنا الحالية هي جعل هذه الشبكة تعمل بكفاءة عالية كمنظومة واحدة متكاملة، تربط بين الموانئ والخدمات اللوجستية والبحرية والبنية التحتية الداخلية، لتقديم قيمة أكبر للمتعاملين تجعل حركة التجارة أكثر بساطة وكفاءة ومرونة).
وشدد رئيس مجلس إدارة (دي بي ورلد) على أن رؤية المجموعة لا تقتصر على الاستجابة للتغيرات العالمية، بل تعتمد نهجاً يقوم على استشراف هذه التغيرات وتشكيل ملامحها، انطلاقاً من الرؤية الشاملة لدبي ودولة الإمارات في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وربط الأسواق العالمية، ومواصلة تطوير البنية التحتية التجارية القادرة على تلبية المتطلبات المستقبلية.
وأكد أن المجموعة تعمل بجهود مضاعفة لتعزيز دور دبي في قيادة مستقبل التجارة الدولية، قائلاً: (لأكثر من قرن، أثبتت دبي أن المستقبل يصنعه من يستشرف التغيير ويستعد له، وأسسنا راسخة، وتوجهنا واضح، وطموحنا ثابت نحو تعزيز دور قيادي في صياغة مستقبل التجارة العالمية).
دعائم تاريخية لنهضة دبي الاقتصادية
واستعرض كاظم الدعائم التاريخية في مسيرة مجموعة موانئ دبي العالمية وتطورها على مدى العقود الماضية، ودورها في ترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي رائد للتجارة والخدمات اللوجستية، وحلقة وصل استراتيجية تربط الأسواق العالمية.
وقال إن دعائم ازدهار التجارة والموانئ في دبي تمتد لأكثر من قرن من الزمان، بدءاً من القرار الاستراتيجي للمغفور له الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم عام 1901 بإعفاء التجار من الرسوم الجمركية، مما جعل دبي ميناءً حراً جاذباً للتجار في وقت كانت فيه موانئ المنطقة تفرض رسوماً وقيوداً على التجارة. ومن هنا بدأت مكانة دبي كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير والتوزيع تتبلور، واضعة الأسس لمسيرة اقتصادية استثنائية تواصلت عبر الأجيال.
وأضاف أن دبي واصلت ترسيخ هذا النهج، مستندة إلى ثلاثة مبادئ أسهمت في تشكيل نهضتها الاقتصادية المتواصلة: أولها تشجيع وترسيخ الحرية الاقتصادية وقوانين السوق الحرة ومواكبة توجهات الاقتصادات الحديثة، وثانيها إعطاء الأولوية القصوى لمجتمع الأعمال ودعم مشاريعهم وتوفير البيئة التشريعية والتنظيمية الملائمة لازدهار أنشطتهم التجارية، وثالثها وهو الأهم استمرار حكومة دبي في تشييد وتطوير البنية التحتية الضرورية، وخصوصاً البنية التحتية التي تذلل العقبات أمام انسيابية الحركة التجارية وأنشطة الاستيراد وإعادة التصدير.
وأوضح أن حكومة دبي ترجمت هذه المبادئ إلى مشاريع تحولية، كان أبرزها قرار المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بتعميق خور دبي في خمسينيات القرن الماضي لاستيعاب السفن الأكبر حجماً وتعزيز نمو التجارة، حيث كان الخور آنذاك الشريان الحيوي لتجارة الإمارة. ومع الاكتشافات النفطية في الستينيات وتسارع حركة نمو التجارة واعتماد دول المنطقة على الخدمات اللوجستية التي تقدمها دبي، أدركت حكومة دبي أن الخور لن يواكب احتياجات المستقبل، فجاء ميناء راشد الذي افتتح عام 1972 كأول ميناء حديث بالمياه العميقة في الإمارة، بهدف استقبال السفن التجارية الكبيرة، موفراً طاقة استيعابية أكبر وخدمات متطورة للشحن والمناولة، مع تخفيض تكاليف النقل وتحسين سلاسل التوريد، مما جذب مزيداً من الخطوط الملاحية وشركات الشحن العالمية.
وأكد أن نهج دبي تميز في إدارة عائداتها النفطية باستثمارها في الاقتصاد المحلي، ولا سيما البنية التحتية، انطلاقاً من إيمان قيادتها بأن الاستثمار في المشاريع الوطنية يحقق للمجتمع عوائد مضاعفة. وقال: (رغم حداثة ميناء راشد في ذلك الوقت، استشرف المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم احتياجات المستقبل، فأطلق مشروع ميناء جبل علي الذي افتتح عام 1979 ليصبح آنذاك أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم، مجسداً رؤية سبقت عصرها. ولم يتوقف الطموح عند الميناء، بل تكامل مع إنشاء المنطقة الحرة لجبل علي، لتتشكل منظومة لوجستية واقتصادية متكاملة جعلت دبي بوابة عالمية للتجارة ونموذجاً رائداً للتنمية الاقتصادية المستدامة).

